dots

لطالما كان قطاع الزراعة يدور حول فعل المزيد بموارد أقل. منذ بداية الزراعة كان على المزارعين التعامل مع بيئة لا يمكن التنبؤ بها حيث يمكن أن يكون التغيير والتكيف مطلوبًا في أي لحظة. هذان سببان فقط لكون الزراعة هي القطاع الكبير الذي يتبنى الرقمنة اللينة مع ظهور المزارع الذكية والمؤسسات الزراعية الرقمية اللينة في جميع أنحاء العالم.

أدى تغير المناخ إلى تسريع الضغط على المزارعين الذين يواجهون الآن تحديات الجفاف والحرائق والعواصف وغيرها من الأحوال الجوية التي لا يمكن التنبؤ بها كل عام. كما أن النمو السكاني في العالم الذي يسير على الطريق الصحيح للوصول إلى 9.7 مليار بحلول عام 2050 يؤدي أيضًا إلى زيادة الطلب على المحاصيل.

إن التبني السريع للتقنيات الجديدة يحول الزراعة إلى قطاع ذات تقنية عالية ويطلق عصر “المزرعة الذكية” ويجعل من الضروري حتى للشركات الزراعية الصغيرة والمتوسطة الحجم التأقلم. وفقا للمنتدى الاقتصادي العالمي تعد تكنولوجيا المزرعة الذكية ضرورية لمعالجة ارتفاع تكاليف العمالة وقضايا سلسلة التوريد والتحديات الحالية الأخرى التي تواجه الزراعة.

يمكن تبسيط سلاسل التوريد الزراعية التي تعد من أكثر سلاسل التوريد تعقيدًا وتعرضًا للمشاكل في العالم باستخدام تقنيات المراقبة والتحليل المتطورة. يمكن أن يساعد استخدام الذكاء الاصطناعي (AI) والأتمتة الشركات في التعامل مع ارتفاع تكاليف ودوران العمالة مع القضاء على مصادر فقد الأغذية وهدرها والتكاليف التي تفرضها.

المزارعين وغيرهم في قطاع الزراعة يريدون إيجاد حلول جديدة لهذه المشاكل. يُظهر البحث الذي أجرته شركة ديلويت أن المزارعين على استعداد للدفع مقابل التقنيات الحديثة والحلول المتكاملة لمساعدتهم على التعامل مع التعقيد المتزايد لقطاع الزراعة اليوم. ولكن هذه الأدوات تكون أكثر فاعلية عند استخدامها ضمن نظام شامل مصمم لتحسين الكفاءة التنظيمية، وهنا يأتي دور الرقمنة اللينة.  يقول باتريك ويبوش، الشريك المؤسس والشريك الإداري في شركة المبادئ الأربعة: “مع التنفيذ الجيد للأتمتة والذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية الأخرى ضمن إطار عمل الرقمنة اللينة، فإن الشركات يمكن أن ترى النتائج خلال عام”.

كيف يمكن للمفاهيم اللينة أن تغير الزراعة

بينما تم تطوير النهج اللين بواسطة شركة تويوتا لتحسين الكفاءة التشغيلية في قطاع التصنيع، فإن المبادئ والممارسات تتكيف بشكل مدهش للاستخدام في قطاع الزراعة. في السنوات الماضية عملت المزارع التي طبقت النهج اللين على تحسين الإنتاجية بشكل كبير وتقليص تكاليف العمالة والتخزين والوقت من المزرعة إلى المائدة.

تتبع الزراعة اللينة نفس المبادئ الخمسة التي تحكم القطاعات الأخرى: تحديد القيمة وتخطيط تدفق القيمة والقضاء على الهدر وانشاء التدفق والسحب والسعي إلى الكمال من خلال التحسين المستمر.

وفقا لجانا هوكين، مؤلفة كتاب “The Lean Dairy Farm”، يقدم النهج اللين فوائد كبيرة في قطاع الزراعة حيث يساعد المزارعين في:

  • تحديد وإزالة الهدر في العمليات الزراعية وتحسين الكفاءة
  • تنظيم وتبسيط طريقة إدارة المزرعة لزيادة الإنتاجية
  • توحيد العمليات والخطوات بحيث يتم كل شيء بشكل صحيح من أول مرة
  • تحسين المشاركة والأداء والعمل الجماعي بين الموظفين

أحد المجالات التي كان النظام اللين مفيدا فيها بشكل خاص هو إدارة سير العمل لعمالة المزرعة للتخلص من الحركة غير الضرورية من حقل إلى آخر. تقليص الوقت الضائع يعني الحاجة إلى عدد أقل من الموظفين وتقليل الاعتماد على العمالة الموسمية وتوفير المال.

كما هو الحال في قطاعي التصنيع والتكنولوجيا تظهر مبادئ وأدوات وتقنيات منهجية اللين نتائج مبهرة وتضيف قيمة اقتصادية في قطاع الزراعة. تشمل ممارسات منهجية اللين الفعالة في قطاع الزراعة:

تخطيط تدفق القيمة: وسيلة لتحديد وإنشاء خريطة مفصلة لجميع الخطوات في الإجراء لتحديد العناصر التي تحقق قيمة والقضاء على أي شيء غير ضروري يعتبر هدرًا. إن قطاع الزراعة يمكن أن يستفيد من تقليل الهدر حسب التحاليل التي تظهر أن 40% من جميع الأغذية المزروعة في العالم لا تؤكل.

العمل القياسي: عملية لتوثيق أفضل طريقة لأداء مهمة ما، مصحوبة برسوم بيانية وصور وتعليمات خطوة بخطوة. يمكن لنظام مثل القيادة اليومية اللينة إنشاء إجراءات روتينية وطرق اتصال حتى يعرف كل شخص ما يجب القيام به ومتى.

الصيانة الإنتاجية الشاملة (TPM): نهج بسيط لإدارة الأصول يشرك جميع المديرين والموظفين في تحليل المعدات وتحديد المشاكل لمنع الأعطال والحوادث والخسائر الأخرى. يمكن أن يكون نهج TPM ذات قيمة في صيانة الحصادات والجرارات وأنظمة الري ومعدات الرش وشاحنات النقل وغيرها من المعدات. لا يعمل نهج TPM على إطالة عمر المعدات فحسب، بل يمنع الأعطال التي قد تتسبب في خسائر المحاصيل في الأوقات الحرجة مثل الحصاد.

كايزن: عملية تنفيذ التغيير من خلال مدخلات جميع الموظفين. تمتلك منهجية كايزن تطبيقات قوية في الزراعة، حيث يتم تنفيذ غالبية العمل من قبل الأشخاص الموجودين على أرض الواقع والذين قد يكونون في وضع أفضل لرؤية مجالات للتحسين. يضمن إشراك جميع الموظفين في عملية التغيير أن الأنظمة الجديدة ستتمتع بقبول كامل وستظل على المدى الطويل.

فرق متعددة الوظائف: طريقة لتنظيم القوى العاملة بتمثيل من جميع جوانب المهام أو العمليات. في الزراعة يكون النهج القائم على الفريق في نهج اللين فعالا، حيث يقضي على التكرار الذي يسببه العديد من الأشخاص الذين يؤدون مهام متداخلة. النتيجة عدد أقل من الرحلات إلى الحقل أو الحظيرة وعدد أقل من الزيارات من قبل المفتشين وعمالة أقل. يؤدي النهج القائم على الفريق للتحسين المستمر أيضًا إلى الابتكار، حيث يشعر كل عضو في الفريق بالراحة لتقديم الاقتراحات. يمكن للفريق المنفتح والمرن الاستفادة من الأفكار الجديدة للتحسين وتجربة طرق جديدة للقيام بأعمالهم واختبار الحلول الجديدة.

أدوات تنظيم نهج اللين الأخرى: حقق العديد من المزارعين والمؤسسات الزراعية نجاحًا باستخدام 5S، وهو نظام لين لتنظيم الأدوات لتحقيق أقصى قدر من الكفاءة. استنادًا إلى 5 كلمات يابانية لجوانب مختلفة من النظافة والتنظيم، يقضي مفهوم 5S على الأدوات والإمدادات غير المستخدمة وينظم ويرتب ما هو مطلوب لتحقيق أقصى قدر من الكفاءة  ويؤسس نظامًا لترتيب كل شيء في مكانه. تعتبر 6سيجما نظام للتوحيد القياسي يعتمد على البيانات ومفيد في الزراعة. يستخدم  6سيجما مجموعة من الأدوات الإحصائية المصممة للقضاء على التباين ومنع العيوب وتقليل احتمالية الخطأ.

النهج اللين لتحليل النظام بأكمله أو تدفق القيمة يسمح للمزارعين برؤية الصورة كاملة باستخدام تحليل السبب الجذري لتحديد المشاكل ومعالجتها من مصدرها. على سبيل المثال غزو الحشرات في المنتج الذي يتطلب فحصًا يستغرق وقتا وعمالة في كل مرحلة من مراحل المعالجة والشحن. يعد تحديد مصدر تربية الحشرات والقضاء عليه أكثر فعالية من حيث الوقت والتكلفة من زيادة عدد عمليات التفتيش.

دراسة حالة أخرى تأتي من Clay Bottom Farm في إنديانا، حيث أعاد المزارع بن هارتمان تصميم نظام الحصاد والتوصيل الخاص به ليكون قائمًا على الطلب بالكامل ويقضي على هدر التخزين الوسيط. بدلاً من حصاد المنتجات ونقلها إلى مبرد للتخزين ينتظر هارتمان طلب البائع، ثم يجلب عربة تسليم مبردة إلى الحقل وتحصد مباشرة في الشاحنة.

يتلقى العميل المنتجات الطازجة من المزرعة في غضون ساعات قليلة من قطفها ويكون أكثر سعادة بالجودة، بينما توفر Clay Bottom Farm تكلفة التخزين وخفض العمالة بمقدار النصف حيث لا يلزم تحميل الطعام مرتين. تتضمن التحسينات الأخرى التي يوثقها هارتمان في كتابه، “The Lean Farm”، تطبيق نظام 5S لتنظيم القوى العاملة وسير العمل وعقد أحداث كايزن التي أدت إلى أدوات وإجراءات جديدة لتجنب إصابة القوى العاملة.

يقول مهدي شلحي، مدير شركة المبادئ الأربعة: “تبدأ الزراعة الخالية من الهدر بالعقلية الصحيحة، حيث يمكن للمزارعين النظر إلى أعمالهم بشكل شامل وتحديد الفرص لتقليل الهدر وتحسين الكفاءة”. تتمثل الخطوة التالية في إعادة التفكير في تدفق الإنتاج وتحويله من الإنتاج القائم على العرض إلى الإنتاج القائم على الاحتياجات. يمكن أن يساعد مستشارو الإدارة اللينة المزارع والمؤسسات الزراعية على تطوير حلول لينة للقيام بذلك بالإضافة إلى بناء الأساس الصحيح بحيث يكون جميع الموظفين متعاونين. ”

كيف تعمل الأدوات الرقمية والمزارع الذكية على تحويل الزراعة

تعمل الأدوات الرقمية الجديدة والتطورات التكنولوجية على تمكين قطاع الزراعة من تحقيق قفزة عملاقة في المستقبل ودعم نوع من الزراعة الدقيقة التي كان من الممكن أن تكون مستحيلة قبل عقد من الزمان.

يستخدم المزارعون التنبؤ بالطقس في الوقت الفعلي لاتخاذ قرارات يومية ولحظة بلحظة حول وقت وكمية الري والتسميد واستخدام مبيدات الآفات والحصاد. تقوم الأنظمة الآلية وشبه الآلية التي تعمل بإنترنت الأشياء (IoT)بتنفيذ تلك التعليمات باستخدام مستشعرات لقراءة الظروف البيئية وإجراء تعديلات دقيقة. إن التقدم في علم البذور يجعل المحاصيل أيضا أكثر مقاومة للآفات والأمراض والفطريات وأكثر تحملا للحرارة والجفاف.

تقدم الزراعة في بيئة خاضعة للرقابة مزيدًا من الدقة والتحكم. تستخدم المزارع الداخلية والزراعية الدفيئة خوارزميات مرسومة بعناية والتحكم في المناخ لضبط المدخلات مثل التهوية ودرجة الحرارة والإضاءة الاصطناعية والرطوبة. تضمن أنظمة التوصيل الأخرى المستندة إلى المستشعر ظروف نمو مثالية يمكن تعديلها في الوقت الفعلي. تعمل الأتمتة والذكاء الاصطناعي والروبوتات على تقليل الاعتماد على العمالة وفي بعض الحالات أتمتة العمليات بشكل كامل.

يمكن للتصوير عالي الدقة تحديد أعراض المرض والجفاف ونقص المغذيات وضعف جودة التربة، بينما يمكن للمركبات التي تعمل عن بعد مثل الدرون استخدام الأسمدة والمبيدات بدقة مذهلة.

تربط الأسواق عبر الإنترنت المزارعين مباشرة بالمستهلكين وتقلل عدد الوسطاء وتبسط طرق العبور. لا يؤدي الاستغناء عن الوسطاء إلى تقليل التكاليف وزيادة الدخل فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى تقصير وقت الانتقال من المزرعة إلى المائدة وتحسين نضارة الطعام وتقليل الهدر.

نتائج مثبتة من الزراعة الرقمية اللينة

إن استخدام الرقمنة اللينة في الزراعة يعتبر حديث إلا أن بعض قصص النجاح ظهرت بالفعل، حيث شهدت المزارع والمؤسسات الزراعية بالتحسينات في العائد وتوفير التكاليف وأوقات أقصر للتسويق ومرونة أكبر لتقلبات المناخ.

يعد استخدام المياه أحد المجالات التي تحقق فيها الزراعة الذكية تقدما كبيرا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. توفر شركة Ground Vertical Farming في لبنان نظام ري معاد تدويره ويقلل من استخدام المياه بنسبة تصل إلى ٪90 في اليوم. في مصر تقدم شركة IrriWatch للمزارعين تقنية استشعار افتراضية قائمة على التطبيق وتستخدم بيانات الأقمار الصناعية الحرارية لقياس رطوبة التربة وإمكانات المياه وتطوير جداول الري.

في تونس تقدم شركة Ezzayra نظامًا زراعيا يحسب ويتتبع تكاليف الإنتاج لكل محصول ولكل مزرعة ونظام زراعة ذكي ينظم الري بشكل مستقل.

مثال على سوق زراعي ناجح عبر الإنترنت هي الشركة الصينيةPinduoduo ، التي أطلقت Duo Duo Orchard في عام 2015 و Duo Duo Farm في عام 2019 لمساعدة المزارعين الريفيين في زيادة دخلهم من خلال ربطهم مباشرة بالمستهلكين. من خلال تقديم المشورة عبر الذكاء الاصطناعي يمكن لـ Duo Duo التنبؤ بأنواع المنتجات المطلوبة وتقديم توصية للمزارعين بما يزرعونه قبل وقت جدول الزراعة.

تعمل Duo Duo Farm كشراكة مع الحكومات المحلية ومنظمات البحوث الزراعية، وقد اشتركت أكثر من مئة وخمسون ألف مزارع بحلول عام 2019 وحصدت المنتجات التي تم بيعها على منصة Pinduoduo 684 مليون دولار أمريكي في عام 2019. تخطط Duo Duo لدعم مليون متجر زراعي ريفي عبر الإنترنت بحلول عام 2025.

في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وفي جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تستثمر الحكومات والصناعات في التقنيات الذكية للحفاظ على موارد المياه وتعزيز الاستدامة وتقليص الخسائر الاقتصادية من ندرة المياه المرتبطة بالمناخ.

قد تبدو زراعة الطماطم في الصحراء وكأنها مستحيلة، ولكن في دراسة حالة قامت بذلك شركة بيور هارفست في الإمارات العربية المتحدة. مزرعة بيور هارفست الذكية الداخلية، خارج أبو ظبي، هي أكثر كفاءة في استخدام المياه بنسبة 70% مقارنة بالمزارع التقليدية وتم بناؤها لتوفير ظروف نمو مثالية معزولة عن المناخ القاسي. لا يصف مصطلح المزارع الدفيئة بشكل كامل بيور هارفست، وهي عبارة عن مزارع داخلية بالكامل داخل غرفة معزولة ثلاثية وخاضعة للتحكم الكامل.

تعمل أدوات التحكم في التهوية والمناخ على إزالة الحرارة والرطوبة من الهواء، ثم يتم إعادة تدوير الرطوبة إلى مياه للري. تزرع منتجات مثل الفراولة والطماطم بطريقة مائية وتوجد جذورها في محلول غني بالمغذيات بدلا من التربة. تراقب شبكة متطورة من المستشعرات مستويات المغذيات والضوء ودرجة الحرارة وجودة الهواء وعوامل أخرى تؤثر على النمو. تقوم شركة بيور هارفست حاليًا بزراعة الطماطم والفراولة مع خطط لزراعة الخيار والباذنجان والفلفل ومحاصيل أخرى من الكروم.

تعتبر الزراعة العمودية الداخلية حلاً مثاليا لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تعد المياه موردا نادرا ويتم استيراد 85% من جميع المواد الغذائية. وفقا لتقرير الجدوى الإقليمي الصادر عنYesHealth Group ، “توفر المزارع العمودية الداخلية إمكانية زراعة المزيد من المنتجات محليا والاستفادة بشكل أفضل من موارد المياه المحدودة في المنطقة”. يتوقع التقرير أن يصل سوق الزراعة العمودية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى 1.9 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2025 مقارنة بـ 0.6 مليار دولار أمريكي في عام 2020.

يقول سيف الشيشكلي، الشريك المؤسس والشريك الإداري لشركة المبادئ الأربعة: “يعتبر التصنيع الرقمي اللين من أكثر الأساليب نجاحًا في تحويل الأعمال في العالم ويمكن للزراعة الاستفادة من نفس الأدوات والتقنيات. المهم هو حل المشاكل في الوقت المناسب بالطريقة الصحيحة.”